"اليوم هو الأحد، ولا يوجد يوم أكثر كآبة وقتامة من هذا اليوم. لاحظتُ ذلك آلاف المرات." — دوستويفسكي.
كان يوماً آخر من أيام الأحد الباردة، تلك التي تبدأ وكأنها معلّقة بين ليلٍ لم ينتهِ وصباح لا يريد أن يبدأ. استيقظتُ كمن يعود من برزخ بعيد، بجسد حاضر وروح غائبة، بعد ليلة قصيرة ومضطربة لم تمنحني سوى مزيد من الإرهاق. حدقتُ طويلاً في السقف، محاولاً أن أستوعب من أكون، ولماذا أنا في هذه البلاد بالذات، كأنني وُضعت هنا على سبيل الخطأ.
كان عليّ أن أستقل ثلاثة حافلات مختلفة كي أصل إلى عملي في مدينة يتكدس فيها أكثر من بضعا وعشرين مليون إنسان، يهرعون جميعاً نحو وظائفهم ذات الرتابة القاتلة عند السابعة صباحاً، كما لو أن العالم ينزلق كل يوم نحو نهايته الصغيرة الخاصة.
شربتُ كوب الشاي على عَجل، في صمت يشبه الندم، ثم خرجتُ ألهث خلف الوقت، وأنا أعلم جيداً أنني تجاوزت كل الحدود المحتملة للتأخير والأعذار.
في موقف الحافلات بدا المشهد كما لو أنه حشد هارب من كارثة. مئات الأشخاص مبعثرون، متأهبون للركض نحو أي وسيلة نقل تظهر، كأن القيامة تجري على الهامش ونحن مجرد كومبارس في فيلم رديء الإنتاج.
وقبل أن أعبر الشارع، قرر شخص مجهول أن يعبر أمامي. خطوة واحدة، خطأ واحد في تقدير المسافة بينه وبين سيارة مسرعة، كانت كفيلة بأن تطوي حياته في لحظات. الحياة هنا — كما في كل مكان — هشة لدرجة لا تُحتمل.
تجمّع الناس حوله لدقائق. بدا رجلاً في نهاية الأربعينيات، عامل يومٍية بسيط، يحمل في يده كيساً فيه أدواته وإفطاره المتواضع. رأيتُ روحه تغادره ببطءٍ مروّع. نزف قليلاً من أذنه اليسرى، ثم خمد تماماً على الإسفلت البارد كما يخمد مصباح صغير انقطع عنه التيار فجأة.
لم يستغرق الأمر كثيراً حتى عاد الجميع إلى جريهم. الموت لا يوقِف الحياة هنا، بل يمرّ عبرها مرورَ عابر لا يترك أثراً.
جاء شرطيان، غطّيا الجسد بكيس بلاستيكي شفاف لا يكاد يستر نصفه، ووقفا يدخنان بلامبالاة تامة، كما لو أنهما يؤديان مشهداً محفوظاً من فيلم كئيب.
أما سائق السيارة، فكان في ورطة أكبر من الرجل الميت نفسه. جلس قرب مركبته المهشّمة، عيناه تقولان إنه سقط في حفرة لا مخرج منها. كان يدرك أن حياته ستتغير بقدر قسوة تلك الضربة التي شطرت حياة رجل آخر.
وبينما كان الشرطيان يتنقلان بلا اهتمام، ظل هاتف الرجل الميت يرنّ بإصرار غريب؛ رنين يحمل في داخله حياةً ما تزال تبحث عن صاحبها. ربما كان المتصل زميلاً ينتظر قدومه، أو زوجةً تشعر بقلق مفاجئ الناس يستشعرون المصائب أحيانًا دون تلقي اي رد الآن والى الأبد..
في تلك اللحظة فكرتُ في هشاشة كل شيء. في أن خطوة واحدة، لحظة واحدة، قد تطوي حياة كاملة بأحلامها المؤجلة، وأمنياتها الصغيرة، وخططها المتواضعة ليوم غد.
ركبت الحافلة أخيراً، وظل وجهي المنعكس في زجاج النافذة يبدو أكثر تعباً من الشعور نفسه. فكرتُ في البلاد التي حملناها في قلوبنا، ثم هربنا منها فكرت في السفر المستحيل الى البيت في الحرب والنزوح وكل المآسي على هذا الكوكب . فكرت في كل ما نقاسيه بسبب الهوية التي نحملها، وبسبب البلاد التي تخلّفنا عنها وعادت لتلاحقنا بأشباحها.
هنا، أنا بلا أصدقاء تقريباً. أصدقائي تفرقوا في قارات العالم مثل أوراق خريف نثرتها الريح. كم من مرّة ضيعنا نهارات كاملة في مقهى الوادي الأخضر والرشيد مهدي ومقاهي اخرى لم أعد اتذكر اسماءها، دون أن ندرك أننا كنا نعيش أجمل أيام العمر، الأيام التي تمضي دون أن تشعر بأنها تمضي.
فكرتُ في كل من أحببتهم ولم أخبرهم، وفي كل من جرحتهم ولم أعتذر. كشخص سيّئ جداً في التواصل، قليل الكلام مع من لا تستحق قلوبهم القليل الذي أقدمه.
غرق رأسي في تلك الأفكار حتى تجاوزت محطتي بثلاث محطات. وحين أدركتُ ذلك، كان الوقت قد تأخر أكثر مما يجب.
ربما نسي الجميع ذلك الرجل الآن، وربما عادوا إلى أعمالهم متعبين كما لو أن شيئاً لم يحدث. لكن وجهه ظل يطاردني بثبات، كما لو أنني أنا الذي صدمته. وفي الطريق الطويل ، صليتُ بصمتٍ لأجل أن يكون قد وجد عالماً أفضل من هذا
العالم المتعب، في الجانب الآخر.